
ضربت الأميرة أمينة هانم إلهامي، المعروفة بلقب «أم المحسنين»، أروع الأمثلة في الجود والسخاء والبر، لتصبح رمزًا للخير في مصر والعالم العربي. فقد تميزت حياتها بالكرم وحب العمل العام، وكرست جهودها لخدمة الفقراء والمعوزين، حتى صار اسمها مرادفًا للإحسان، وظل الناس ينادونها بالحب والاحترام دون الحاجة لذكر اسمها.
ولدت الأميرة أمينة هانم في عام 1852، وتزوجت من الخديوي توفيق قبل أن يصل إلى العرش بنحو ست سنوات، تحديدًا عام 1873، وكان عمرها آنذاك 21 عامًا. بعد عام واحد من الزواج، أنجبت الخديوي عباس حلمي الثاني، ومن بعده الخديوي محمد علي، بالإضافة إلى الأميرة خديجة والأميرة نعمت هانم.
عرفت الأميرة أمينة هانم بتفانيها في خدمة المجتمع، فخصصت حياتها للعمل العام وكفالة المساكين ورعاية المرضى عبر الجمعيات الخيرية المختلفة. ومن هنا أطلق عليها المصريون لقب «أم المحسنين»، تعبيرًا عن حبهم لها وامتنانهم لجهودها. وحتى بعد وفاتها في يونيو من عام 1931، حزن عليها المصريون أشد الحزن، لما عرفوا من سخائها وجودها وبرها، إذ كانت مصدرًا للراحة والدعم للكثيرين من الفقراء والمعوزين.
حرص ابنها الأمير محمد علي، وولي عهد مصر في عهد الملك فاروق، على نقل جثمان والدته من إسطنبول إلى مصر في 26 يونيو 1931، وأعلنت الدولة الحداد الملكي عليها لمدة عشرين يومًا. وقد نعت مجلة «المصور» الأميرة في عددها الصادر في نفس اليوم بالقول:
“ماتت أم المحسنين وغربت عن مصر.. طالما كانت أشعتها واسطة الحياة لكثيرين من الفقراء.”
لم يكن كرم الأميرة مقتصرًا على العطاء المادي، بل كان لها بصمات واضحة في التعليم والثقافة والفنون الإسلامية. فقد حرصت على تعليم أبنائها الفنون الإسلامية والموسيقى، وأرسلت لهم رسائل أثناء سفرهم للدراسة في سويسرا والنمسا، تحثهم فيها على المحافظة على الصلوات وتعلم الفنون وآثار البلاد، لتغرس فيهم القيم الدينية والثقافية.
كما أسست الأميرة أمينة هانم المدارس الإلهامية الصناعية الزخرفية، التي كان هدفها إعادة إحياء الفن الإسلامي وتطوير المواهب بين الشباب المصري. وقد ساهمت هذه المدارس في تنمية مهارات عدد كبير من أبناء الشعب المصري، الذين أصبحوا لاحقًا من الفنانين المبدعين في مجالات متعددة، مؤكدين أثرها الإيجابي البعيد المدى على الثقافة والفنون في مصر.
ولم يقتصر دور الأميرة على التعليم، بل امتد إلى العمارة والتراث، فقد أشرفت على بناء قبة أفندينا الضخمة في صحراء المماليك، واختارت طرازها الفني بعناية فائقة على النسق الإسلامي المملوكي. تضم القبة أضرحة زوجها وأبنائها، لتصبح شاهدًا على الحياة العائلية التي جمعت بين البر والعطاء والجمال الفني.
لقد جسدت الأميرة أمينة هانم في حياتها نموذج المرأة المثقفة والمعطاءة، التي جمعت بين المسؤولية الاجتماعية والاهتمام بالأسرة، وبين حفظ التراث الفني وإحياء الفنون الإسلامية، لتبقى ذكرى «أم المحسنين» حية في ذاكرة المصريين كرمز للخير والعطاء الذي لا يحده زمان أو مكان.
إن قصة الأميرة أمينة هانم إلهامي تمثل شهادة حية على قدرة المرأة المصرية على أن تكون قوة فاعلة في المجتمع، حتى في أحلك الظروف، وأن تترك إرثًا خالدًا من العلم والفن والإنسانية، يبقى مضربًا للمثل في الجود والإحسان عبر الأجيال.






